أحمد بن علي القلقشندي
413
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
هل كان على البريد المحرّر أو كانت مقاديره متفاوتة كما هو الآن ؟ . ثم قال : ولا أظنّه إلا على القدر المحرّر ، إذ كانت حكمتهم تأبى إلَّا ذلك . وأمّا في الإسلام فقد ذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه « الأوائل » : أنّ أوّل من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان رضي اللَّه عنهما . قال في « التعريف » : وذلك حين استقرّت له الخلافة ، ومات أمير المؤمنين عليّ رضي اللَّه عنه ، وسلَّم له ابنه الحسن عليه السّلام ، وخلا من المنازع ، فوضع البريد لتسرع إليه أخبار بلاده من جميع أطرافها ، فأمر بإحضار رجال من دهاقين الفرس وأهل أعمال الرّوم وعرّفهم ما يريد ، فوضعوا له البريد . قال : وقيل : إنما فعل ذلك زمن عبد الملك بن مروان حين خلا وجهه من الخوارج عليه : كعمرو بن سعيد الأشدق ، وعبد اللَّه بن الزّبير ، ومصعب بن الزبير ، والمختار بن أبي عبيد . والذي ذكره العسكريّ : أن عبد الملك إنما أحكمه . وذكر عنه أنه قال لابن الدغيدغة : ولَّيتك ما حضر بابي إلا أربعة : المؤذّن ، فإنه داعي اللَّه تعالى فلا حجاب عليه ، وطارق اللَّيل ، فشرّ ما أتى به ولو وجد خيرا لنام ، والبريد ، فمتى جاء من ليل أو نهار فلا تحجبه ، فربّما أفسد على القوم سنة حبسهم البريد ساعة ، والطَّعام إذا أدرك ، فافتح الباب وارفع الحجاب وخلّ بين الناس وبين الدخول . ثم قال : ويذكر هذا الكلام عن زياد أيضا . قال في « التعريف » : وكان الوليد بن عبد الملك يحمل عليه الفسيفساء وهي الفصّ المذهب من القسطنطينيّة إلى دمشق ، حتى صفّح منه حيطان المسجد الجامع بها ، ومساجد مكَّة والمدينة والقدس . قال : ثم لم يزل البريد قائما ، والعمل عليه دائما ، حتى آن لبناء الدّولة المروانيّة أن ينتقض ، ولحبلها أن ينتكث ، فانقطع ما بين خراسان والعراق ، لانصراف الوجوه إلى الشّيعة القائمة بالدّولة العبّاسيّة . ودام الأمر على ذلك حتّى انقضت أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة ، وملك السّفّاح ، ثم